عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
201
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
كالحديدة الحامية المحمّرة ، والزجاجة المملوّة المصفرّة . فالأولى تفعل فعل النّار من الاشراق والاحراق ، لاتّصافها بصفتها من الحرارة والنورانيّة . والثانية تتلوّن بلون الخمر المصبوب فيها ، كما يحيى البدن بنفخ الرّوح المنفوخ فيه ، فيتمازجان رقة وشفقة ، كما يلتفّ المحبّ بمحبوبه والطالب بمطلوبه ، كما قيل : « نحن روحان حللنا بدنا » ( a 224 ) . ولا تتعجّب من عناية الخالق الرزّاق حيث يرزق من يشاء بغير حساب ، ولا تضيّق رحمته الكاملة الشاملة ، ولا تشحّ عن ( م 149 ر ) سحابة جوده الواطفة العاكفة الواكفة ، فانّ الفيض عامّ ، والجود تامّ . وقيّد وحش عقلك الطائر ، وفهمك الجائر ، بقوله ، تعالى ، في حقّ موسى بن عمران ، وكان رجلا ( 95 پ ) من رجال اللّه ، الّذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه : ولما بلغ اشدّه ، اى إلى ثلث وثلثين سنة ، واستوى ، وهو أربعون سنة ، آتيناه حكما ، نبوّة ، جزاء على جوهر النفس المخصوصة به ، وعلما ، بناء على القوّة النّظريّة الكاملة له . واما الخاصيّة الثّالثة ، فكما قال انظر إلى الجبل ، فان استقر مكانه ، فسوف تراني . هاتان له خالصة ، فانّه كان مخلصا ، والمخلصون على خطر عظيم . وكذلك نجزى المحسنين . فانظر كيف عمّم حكم الحكيم للمحسنين الّذين جاهدوا فينا ، لنهدينّهم سبلنا . والاحسان ان تعبد اللّه كأنك تراه ، ( b 224 ) والاخلاص هو ان تخلص عملك للّه أربعين صباحا ، كما كان لموسى ، حيث قال : فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة ، أو أكثر منه ، بل عشر سنين . كما كان أيضا لموسى عند شعيب ، شيخه ، عليهما السّلام ، حيث قال : فلما قضى موسى الاجل ، وسار باهله ، آنس من جانب الطّور نارا . انظر بدقة نظرك كيف عقّب قضاء الاجل بمجيء النبوّة اليه ، وإفاضة نور الرسالة عليه . وهل كان ذلك الاجل إلا مدّة تزكية نفسها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل لهم ، أم عدّة امضاء شهوة النّساء والكساء ، واعداد أسباب الثراء والسراء ، حتّى ( م 149 پ ) ادّته إلى انزال الكتاب عليه . فيا عجبا من انزال ماء فضول الفضلة في بقاع الوقاع ، كيف ينزل ماء فضل فضيلة التورية على روح الأرواح . مع انّك قرأت قوله ، تعالى : « وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » . فإذا كان من لم ينه النّفس عن الهوى ، سواء كان حلالا أو حراما ،